فخر الدين الرازي

230

الأربعين في أصول الدين

( الكهف 58 ) « اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ، إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً » ( نوح 10 ) « غُفْرانَكَ رَبَّنا » ( البقرة 285 ) والمغفرة ليست عبارة عن اسقاط العقاب عمن لا يجوز عقابه « 11 » فتعين أن تكون عبارة عن اسقاط العقاب عمن يحسن عقابه . وانما قلنا : ان القسم الأول باطل : لأنه تعالى ذكر صفة المغفرة في معرض الامتنان على العباد . ولو حملناه على هذا الوجه لم يبق هذا المعنى ، لأن ترك القبيح لا يكون احسانا ، بل ترك القبيح بأن يكون احسانا من الفاعل إلى نفسه ، أولى بأن يكون احسانا إلى غيره . فان على مذهب الخصم : لو فعله لا يستحق الذم . فهو بترك ذلك القبيح أحسن إلى نفسه حيث خلصها عن استحقاق الذم . فان قيل : لم لا يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب عن الدنيا إلى الآخرة ؟ والدليل على أن لفظ العفو مستعمل في هذا المعنى : قوله تعالى في قصة اليهود « ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » ( البقرة 52 ) وليس المراد : اسقاط العذاب ، بل تأخيره إلى الآخرة . وكذلك قوله تعالى : « وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ . فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ . وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » ( الشورى 30 ) أي أنه تعالى قد يعجل المصائب اما على جهة الابتلاء ، أو على جهة العقوبة المعجلة بسبب ذنوبكم ، ثم إنه تعالى لا يعجل العقوبة والابتلاء على كثير منها . وكذلك قوله تعالى : « وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ » إلى قوله : « أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ » ( الشورى 32 - 34 ) أي أنه تعالى لو شاء اهلاكهم لأهلكهم . الا أنه تعالى لا يهلكهم على كثير من الذنوب . والجواب : العفو أصله من عفا أثره ، أي إزالة . وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون مسمى العفو هو الإزالة . ولهذا قال تعالى : « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ » ( البقرة 178 ) وليس المراد منه التأخير

--> ( 11 ) عمن لا يستحق العقاب : ب